ابن قيم الجوزية
417
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
باللّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا » « 1 » . فشرّ النفس نوعان : صفة وعمل ، والعمل ينشأ عن الصفة ، والصفة تتأكّد وتقوى بالعمل ، فكل منهما يمدّ الآخر . وسيئات الأعمال نوعان : قد فسرهما الحديث ، أحدهما : مساويها وقبائحها ، فتكون الإضافة فيه من النوع إلى جنسه ، وهي إضافة بمعنى « من » أي : السيئات من أعمالنا . والثاني : أنها ما يسوء العامل مما يعود عليه من عقوبة عمله ، فيكون من إضافة المسبب إلى سببه ، وتكون الإضافة على معنى « اللام » وقد يرجح الأول بأنه يكون قد استعاذ من الصفة والعمل الناشئ عنها ، وذلك يتضمن الاستعاذة من الجزاء السيئ المترتب على ذلك ، فتضمنت الاستعاذة ثلاثة أمور : الاستعاذة من العذاب ، ومن سببه الذي هو العمل ، ومن سبب العمل الذي هو الصفة ، وقد يرجح الثاني أنّ شرّ النفس يعمّ النوعين كما تقدم ، فسيئات الأعمال ما يسوء من جزائها ، ونبّه بقوله : سيئات أعمالنا ، على أن الذي يسوء من الجزاء ، إنما هو بسبب الأعمال الإرادية ، لا من الصفات التي ليست من أعمالنا ، ولما كانت تلك الصفة شرا ، استعاذ منها ، وأدخلها في شر النفس . وقال الصدّيق ، رضي اللّه تعالى عنه ، للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم : علّمني دعاء أدعو به في صلاتي ، قال : « قل : اللهمّ فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، ربّ كل شيء ومليكه ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أعوذ بك من شرّ نفسي وشر الشيطان وشركه ، وأن اقترف على نفسي سوء أو أجرّه إلى مسلم ، قله إذا أصبحت ، وإذا أمسيت ، وإذا أخذت مضجعك » « 2 » .
--> ( 1 ) صحيح . رواه أحمد ( 1 / 392 - 393 ) ، وأبو داود ( 2118 ) ، والترمذي ( 1105 ) ، والنسائي ( 6 / 89 ) عن ابن مسعود . ( 2 ) صحيح . رواه أحمد ( 1 / 9 - 10 ) و ( 2 / 297 ) ، وأبو داود ( 5067 ) ، والترمذي ( 3392 ) وغيرهم عن أبي هريرة .